في مدرسة الحياة نتعلم من بعد كل نجاح أو فشل. وأحيانا..نخوض تجارب مريرة حتى نتعلم أن لا نسلك طريقها مرة أخرى. وربما أيضا خالجنا شعور ما يوحي ببعض الغرور والاكتفاء. إن الفشل أو الخطأ أحيانا أكثر نفعا، حيث أننا نتعلم من أخطائنا أسرع من ما نتعلمه من غيرها. إذن للفشل جانب مشرق، فهو وقود النجاح لأنه يكشف لك مكمن الضعف والخطأ, حتى تتجاوزه أو تعدله. والشيء الأهم هو أن تتعلم كيف تخرج من تلك التجربة الفاشلة بسلام، وأن تخرج منها بفائدة, وتسعى إلى تدارك كل ما قد يصيبك من إحباط، وأن تعزز لديك الثقة بنفسك. فلنترك أسباب الحزن ونتجه إلى أبواب الفرح. البشر توّاقون إلى النجاح والإنجاز في حياتهم الشخصية والعملية ولكن النجاح الدائم حلم صعب المنال؛ لأن الإنسان جُبِل على المحاولة والخطأ والفشل أحيانًا، والفشل ليس رذيلة بل فضيلة حين يكون دافعًا للنجاح، وسلمًا للصعود والنهوض والدفع باتجاه الأفضل وتحقيق الأهداف. والفشل يعني الإخفاق في تحقيق أو إنجاز أهداف محددة مسبقًا. وغالبا ما يثير الفشل لدى الناس الخوف والإحباط نظرًا لارتباطه بالعقاب الذي يتدرج من التوبيخ والإدانة والازدراء إلى العقوبات الماديّة والمعنويّة من جانب الشخص نفسه ومن الآخرين، لكن الخوف من الفشل والشعور الدائم بالذنب والتخلي عن مهارة المحاولة والخطأ هو الفشل بعينه. بطبيعة الحال لا نستطيع أن نتجنب الفشل تمامًا، ولكن عندما نعلم أسباب الفشل عندئذ يمكننا علاج تلك الأسباب وتحويل هذا الفشل إلى نجاح. أسباب الفشل ومظاهره كثيرة منها: ما يتعلق بالفرد نفسه من ضعف الهمة وقلة الخبرة، وتعجُّل النتائج والتسرع بالإضافة إلى نقص القدرات والنمطية والخوف المرضي من الفشل وعدم الثقة بالنفس. حيث يقع الفشل بلا شك حين يحدّث المرء نفسه بأن قدراته ووقته وخبرته لن تمكنه من النجاح. من أسباب الفشل كذلك ما يتعلق بالأهداف ذاتها؛ كأن تكون الأهداف مثلاً مشوشة وغير محددة، أو تكون غير واقعية. وكذلك يقع الفشل عندما تكون الأهداف روتينية لا ترتبط بالإثابة والتحفيز. ومن أسبابه كذلك ما يرتبط بالجماعات وبالقائمين على الإدارة أنفسهم. وهنا يبرز أحد أهم أسباب الفشل وهو النزاع وكثرة الخلافات، "وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم"، 46 الأنفال. كما تفشل الإدارة عندما تتعدّد وتتضارب الأوامر والتوجيهات الصادرة للأفراد أو عند تعدّد القيادات للعمل الواحد، وتفشل الإدارة حين ينقصها المنهج والتخطيط العلميان، وحين تسند الأمور إلى غير أهلها. وحتى لا تسقط في الفشل:
انطلق من خلال ضعفك ونقصك: ولا تنطلق من كمال زائف. وتأمل التوجيه النبوي: "سيروا بسير أضعفكم". اعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك وما أصابك لم يكن ليخطئك: الإيمان والرضا بالقضاء والقدر، "ولا يرد القدر إلا الدعاء"، فهذه فرصة للتقرب من الله. ما خاب من استخار ولا ندم من استشار: لقد كان صلى الله عليه وآله وسلم يعلم أصحابه الإستخارة في أمورهم: "اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك واسألك من فضلك العظيم ، فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر - ويسمي حاجته - شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري عاجله وآجله ؛ فاقدره لي ويسره لي، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شرٌ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري عاجله وآجله فاصرفه عني واصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كان ثم رضّني به". وبعد الاستخارة استشارة: بقوله: "وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ". فالاستخارة والاستشارة من أسباب الوقاية من الفشل، وإن وقع الفشل فإنك لن تشعر بمرارته وأثره، فإنه ما خاب من استخار ولا ندم من استشار. فإذا عزمت فتوكل: توكل وأظهر ضعفك وعجزك بين يدي ربك، "لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير". أبدأ من حيث انتهيت: وابدأ من حيث انتهى الآخرون. ليس هناك شيء اسمه: فشل إنما هي كسب تجارب وخبرات، فكل سقوط تجربة، وكل وقوع خبرة. فالفشل يزيد في رصيد الناجحين تجربة وخبرة. لذلك انطلق من حيث انتهيت واستفد مما سبق. على عتبة النجاح اخلع لبوس الروتين: أنت بحاجة أن تكون صاحب همّة لتبلغ القمة. جدد وطوّر، ولا تستسلم للروتين لأنه يعلمنا الكسل ويصنع اليأس من العمل. اجتمعوا وعوا: "فإن يد الله على الجماعة ومن شذ شذ في النار"، "وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية". الأمل برحمة الله: "إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ". لا تيأس واستفد من النملة وتعلم منها، وانظر كيف تصنع الأمل بمعاودة العمل، "والله أرحم بعبده". وتأمل حدث صلح الحديبية وكيف أن الله سماه "فتحا مبيناً" وهو في ظاهره هزيمة وصدّاً. فلا تسخط ولا تجزع ولا تيأس. للنجاح طريق واحد، وللفشل أبواب عدة، فمن السهل أن نجد ذرائع كثيرة نرجع إليها الفشل، لكن من الصعب حقًا هو أن نفسر لماذا ننجح؟ فهل ننجح عندما نضع أهدافاً واضحة ومحددة ونسلك درب الاجتهاد والجد والمثابرة للوصول لهذه الأهداف عبر خطط علمية مدروسة؟ أم النجاح رهن بالإدارة الجيدة؟ أم أن النجاح منهج شامل يأتي محصلة لأسباب كثيرة؟ وهذا هو الفارق بين النجاح والفشل ولكن المنهج السليم لتحويل الفشل إلى نجاح يأتي بالمحاسبة والمراجعة لجوانب التقصير وتلافيها، وما يمكن أن نسميه المنهج التحويلي أي تحويل الفشل إلى نجاح، والذي يستلزم بدوره عدداً من المهارات لإحداث هذا التحويل لعل أبرزها الثقة بالنفس، والمعرفة الجيدة بالقدرات والسّمات الشخصية، أي أن يعرف المرء ماذا يميزه عن الآخرين، فليس الأذكياء والعباقرة فقط هم من يصنعون النجاح، ولكن كل منها عبقري في إطار ما يملك من مقوّمات للإنجاز وقدرات خلاقة، ومن مهارات المنهج التحويلي أيضًا التعلم من خبرات الآخرين والقراءة الجيدة لتجارب الناجحين. وفيما يتعلق بالعمل الجماعي فتحويل الفشل لنجاح يتطلب التوزيع الجيد للأدوار والمراجعة المستمرة للخطط التي تضعها الإدارة، وإعادة رسم الأهداف، وترك مساحة للأفراد من المحاولة للخطأ، بحيث تبرز مهارات الإبداع والابتكار، وتكون الإدارة قادرة على نزع الخوف من الفشل من نفوس الموظفين، والإدارة تستطيع أن تصنع من فشل أحد عناصرها نجاحًا عندما لا تقتصر الإثابة والتحفيز على من ينفذون أعمالهم بشكل آلي روتيني خال من الإبداع بل عليها أيضًا إثابة من يمكنهم التحوّل من الفشل إلى النجاح وتجاوز الإخفاق. فسيرة الرسول الأعظم وآل بيته وصحبه تحوي العديد من التجارب التي حوّلت الفشل إلى نجاح؛ ففي غزوة حنين عندما قارب المسلمون على الهزيمة بعد أن غرّتهم كثرتهم، لأن الغرور هو أحد بواعث الفشل، ثبت النبي أمام أعداء الله، فنزل النبي، واحتمى به الصحابة، ودعا واستنصر، فثبت المسلمون وحوّلوا الهزيمة إلى نصر والفشل إلى نجاح. ويذكر القرآن الكريم هذه القصة في سورة التوبة: "لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين * ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنوداً لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين".
دافعية النجاح هي أهم سلاح لمواجهة الفشل، فعلى الأفراد أن ينموا داخلهم دافع النجاح والتفاؤل، ويدعّموه بمزيد من العمل والاجتهاد والتخطيط والمثابرة. وبداية التخلص من الفشل هو الإعتراف به كعثرة في طريق النجاح، ومن ثم دراسة أسبابه ومعالجتها وليس الهروب أو الاستسلام للفشل. وكما تقول الحكمة: "راحت السكرة وجاءت الفكرة"، فعلينا أن نخرج من سكرة الفشل والإحباط إلى الفكرة التي تصنع النجاح. فمن ذاق مرارة الفشل هو أدرى بالطبع بطعم النجاح، ومن يتعلم من أخطائه فسيقول وداعًا للفشل. عندما تعرف كيف يعمل عقلك فإنك تحصل على قدر من الثقة، قدم طلبك بالإيمان والثقة وسيقدم عقلك الباطن الإجابة. فالشيء الوحيد الذي يجب أن تفعله لكي تتغلب على الفشل هو أن تجعل عقلك الباطن يقبل فكرتك أو طلبك بالشعور بواقعية، وسيقوم قانون عقلك بعمل الباقي. ومن الخطأ إستخدام الإكراه العقلي، لأن عقلك الباطن لا يستجيب للإكراه إنه يستجيب لإيمانك أو قبول العقل الواعي. إن الإسترخاء يمكّن العقل الباطن من معرفة طرق ووسائل علاج أي عضو من جسدك وعلاج علاقاتك وإتخاذ قرارات الصحة. إفعل بسهولة لا تهتم بالتفاصيل والوسائل، ولكن اعرف النتيجة النهائية. تذكر أن لا تهدم نفسك وتهبط من عزيمتك. أما من خلال الإسترخاء نحن نحث العقل الباطن وتمكن الطاقة الحركية خلف الفكرة أن تسيطر عليه ونجعل تحقيقها ملموساً. ولكن لو حصلنا على عكس ما نريد وندعو له؟ عندها تسمى هذه الحالة بقانون الجهد المعاكس، أي عندما تكون رغبتك وخيالك متعارضين، يجب المصالحة بين الرغبة والخيال المتصارعين تجنب كل صراع بين رغبتك وخيالك بالدخول في حالة الإسترخاء. إن كثير من الناس يحلون مشاكلهم ومعضلاتهم بلعبة الخيال المسيطر، والمنظم مدركين أن كل ما يتخيلونه ويشعرونه حقيقة سوف يتحقق ويجب أن يتحقق. يجب أن تتفق الصورة التي في عقلك مع الصورة التي في قلبك. الانفتاح على الحياة يبدأ بجمال الباطن ثم يتحول إلى ابتسامة من الوجه فيبتسم في وجهك الآخرون مع الحياة، والسعادة تكون من نصيبك، والاطمئنان يغمر نفسك. اجعل التعاون شعارك حسب قدرتك على التنفيذ مع صدق النية فأنها تعطيك الثقة في نفسك لأنها تشعرك بالإنجاز. اجعل الرسائل الايجابية إلى ذاتك الأهم في قائمة أولوياتك، فأنها تصنع من حركاتك استثمارا، ومن كلماتك الطيبة صدقات، ومن أفكارك برامج للحياة. إن التحكم في الذات والانتصار على الذات هو الذي يجعلك منتصرا على العقبات والمشاكل وان تدير الحياة كما تشاء. وفق مسار الحكمة، أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم، لاشك على قدّر ثقتك بالناس يثقون بك وعلى قدر ثقتك بنفسك تكن ايجابيا وذلك تأتي من التفاعل الإيجابي مع الآخرين. سِرْ خلف حلمك مع رغبةٍ جادةٍ وعزمٍ وتصميم، فإما أن تنجح، وإما أن تتعلم وتكبر. فالفشل ينبغي أن يكون معلماً لنا وليس مقبرة لطموحاتنا وتطلعاتنا. إن الفشل في منهج العظماء والقادة ليس هزيمة، وإنما هو تأخُّر في تحقيق الهدف، وهو مرحلة يمكن تجاوزها، وذلك بشحذ الهمم والعزائم والمبادرة بالسير في طريق النجاح. إن هذه الكلمات تُجسد سلسلة التجارب التي يمر بها الإنسان في حياته، يكون بعضها ناجحاً وبعضها فاشلاً. إن العظماء والناجحين هم الذين يخرجون من تجربة الفشل أكثر صلابة وقوة، فقد يستفيدون من أخطائهم وفشلهم أكثر من استفادتهم من نجاحاتهم، والضعفاء هم الذين ييأسون عندما يفشلون، ويعتقدون خطأً أنهم لا يستطيعون أن يصنعوا شيئاً بعد الفشل، وأن طريق النجاح مسدود، وتحقيقه من وجهة نظرهم مستحيل أو محدود. إما صناع النجاح فلا يوجد في معجمهم كلمة اليأس، ولا يجد القنوط إلى نفوسهم سبيلاً، ولا الوهن إلى عزائمهم طريقاً، ومن ثم فهم القادرون وليس غيرهم على أن يجعلوا من الفشل محاولة للنجاح. .
__________________
البروفيسور د. السير كريم سهر
إستشاري الصحة النفسية والباراسيكولوجي