مقال رائع جدا (هل يحتاج الأعداء إلى مؤامرة ؟! ) من جريدة المدينة
هل يحتاج الأعداء إلى مؤامرة ؟!
عبر تاريخ طويل من النكبات والهزائم والتخلف ينبغي أن نسأل: (هل يحتاج الأعداء إلى مؤامرة في ظل فتن داخلية تنمو وحماقات ذاتية تترى وتخبط فكري يتشعب)..
لا ضرر من الاتفاق مع مؤيدي (نظرية المؤامرة)؛ فمن السذاجة بمكان أن نتّهم الأمم الأخرى بالغباء وسوء التخطيط ولا نتوقّع منهم الحرص على حماية مصالحهم وتوسيع دوائر نفوذهم، ولذا فإن الأمم الحية تهتم برصد الوقائع وتحليل الأحداث واستشراف المستقبل، وتستخدم لتلك الأغراض مؤسساتها التخطيطية والتجسّسية والاستخباراتية، وتستفيد من إمكاناتها التقنية والعلمية والبحثية، وتستثمر مواردها الطبيعية والبشرية، وتنتهز الفرص لتوطّد الدعائم، وترسم المسارات، وتحدّد الأولويات، وتصنع البدائل.
يمكن لمن يرغب أن يضع تلك الجهود والتوجهات في نطاق المؤامرة على الضعفاء الذين لا يستطيعون دفعاً لما يحيط بهم من ديناميكية الأحداث وهي تتسارع وفق سنن كونية تحقق مصالح الأقوى والأقدر والأكفأ، ويمكن لمن يرغب أن يستسلم لتلك المؤامرات، الحقيقية أو المتوهّمة، وكأنها قدر مقدور لا يمكن الردّ عليه أو تجاوزه أو درؤه، ولكن تبقى الحقيقة الثابتة أن الحياة البشرية هي تدافع بين الناس يسعى كل منهم، بكل ما أوتي من قوة مادية وقدرة ذهنية ومعرفة حيوية، إلى بلوغ درجة أعلى من الهيمنة والتفوق والنفوذ.
على النقيض الآخر يمكن لنا أن نتفق مع معارضي (نظرية المؤامرة) ومفنّدي أخطائها فنرفض معهم النظرية على أنها مجرد مشجب تُعلّق عليه الأمم الفاشلة هزائمها، وتُبرّر به المجتمعات المنكوبة مصائبها، مع إدراك أن المحصلة النهائية في التاريخ البشري هي هيمنة أقوياء في طرف، واستسلام ضعفاء في الطرف الآخر، ولن يغني الضعفاء تأييد النظرية أو رفضها، ولن يغيّر من الواقع تشنجات الصارخين بفداحة المؤامرة، أو المدافعين عن حق الأمم في أن تحرس مصالحها بغضّ النظر عن القيم والأخلاق والمواثيق.
سنقبل دفوعات مؤيدي (نظرية المؤامرة)، وسنحترم طروحات معارضيها، ولكننا سنتجاوز كل ذلك لنقول إن المسألة أكبر بكثير من اتخاذ هذا الموقف أو ذاك، فالأسئلة الكبرى التي تنتصب أمام الأمة العربية تنبع من ذاتها، فعبر تاريخ طويل من الهزائم والنكبات والتخلف ينبغي أن نسأل: ( هل يحتاج الأعداء إلى مؤامرة في ظلّ فتن داخلية تنمو، وحماقات ذاتية تترى، وتخبط فكري يتشعب؟).
لا داعي للخوض في التاريخ البعيد وهو مليء بالعبر، ولكن نظرة متأملة في العقود الخمسة الأخيرة تقف شاهداً على أن الأعداء لا يحتاجون إلى بذل جهد في التخطيط والتنفيذ لمؤامرة، فقد كفتهم الأمة مؤونة ذلك، وليس على الأعداء إلاّ الانتظار حتى تسقط الثمرة بين أيديهم بعد أن أنضجتها حماقات ذاتية، وقرارات ارتجالية، وصراعات فكرية، وطموحات سلطوية، واستبداد قاهر.
لا أدلّ على ذلك من المشهد الراهن في العراق ولبنان وفلسطين، فكل أدوات تلك الأوضاع الحزينة من أبناء ذات الوطن، وهي حصيلة طبيعية لظروف تاريخية صنعت رموزها من الاستبداد والطائفية والتعصب لتصبح الأوطان لقمة سائغة لاحتلال ومؤامرات قد يدفع أصحابها ثمن أخطائهم، ولكنهم يتمتعون بقابليّة للمراجعة والتصحيح والاستفادة من أخطاء الآخرين، بينما تستفحل أخطاؤنا وتكبر في بوتقة الفتنة الطائفية، والفرقة المذهبية، والرؤى الأحادية، وتمجيد الأصنام التي صنعها الخوف والقهر والجهل والمصالح الضيقة.
تلك (المفاهيم الثقافية والفكرية والاجتماعية) هي خير عون للأعداء لتحقيق أهدافهم وإنجاح مخططاتهم، وتلك (القابلية الذهنية) للانخراط في طوفان الانفعالات الرعناء وعواصف التوهمات الخرقاء هي التي تُسهّل تنفيذ المؤامرة، بل لعلها هي التي تصنعها عبر الانسياق اللاعقلاني في عملية (تدمير الذات) التي مارسها العرب بكل تفانٍ في ماضيهم، ويحرصون على الحفاظ على إرثها في حاضرهم.
دع عنك حديث المؤامرات، العملي منها والتنظيري، فلم يكن بإمكان الأعداء، مهما تربّصوا بهذه الأمة ودينها أن يستعدوا الدنيا بأسرها عليه، ويشوّهوا معطياته وحقائقه، لولا تلك الفئة التي خرجت من رحم الواقع العربي، وتشبّثت بسوء التأويل وضحالة التفكير، لتروّع القاصي والداني، وتُشيع الإرهاب في أرجاء المعمورة، وتسفك دماء أهلها ومواطنيها بالتبرير نفسه الذي تستخدمه لتفتك بالأبرياء في كل مكان.
دع عنك حديث المؤامرات، الحقيقي منها والمتوهّم، فكلّها لا تستطيع أن تحقّق أهدافها وتعمّق آثارها إلاّ عندما تتوفّر التربة الجاهزة لاستقبالها، والقادرة على احتضانها، والموائمة لشروط تخصيبها وإنضاج عناصرها، ولذا لا مناص من مواجهة (الذات العربية)، والتغلغل في أعماقها، وتحليل محيطها الفكري والاجتماعي والحياتي للتعرّف على مكمن الخلل، وتشخيص الداء لاقتلاع تلك الجرثومة التي قبعت وترعرعت في (الفكر العربي) قروناً طويلة.
ولعل من أعجب العجب أن (الذات العربية) لا تتعلّم من دروس ماضيها، ولا تستفيد من كوارث واقعها، فهي دائماً ترتدّ إلى نقطة البداية لتجرّب (طبيعة النار) من جديد للتأكّد من أنها حارقة وقادرة على التهام الأخضر واليابس، ولا ندري ما هو موقع الإنسان العربي في تصنيفات العقول حيث يقولون إن (العاقل من اتعظ بغيره)، ولكن كيف نصف أولئك الذين لا يتعظون بأنفسهم ونكباتهم وهزائمهم على مدى قرون؟.