الزمن لعبة عجيبة , هو يطول ويقصر حسب الوضع النفسي للشخص , فاذا كان مسترخيا مرتاحا فان الوقت يمضي سريعا حد انه لا يشعر به , بينما يمضي ثقيلا بطيئا على الشخص الذي يعاني ضيقا او ازمة ما حد انه يصبح عليه جبلا , واظن شاعر الجاهلية الأبرز امرؤ القيس حين قال هذه الابيات :
وليل كموج البحر ارخى سدوله
علي بانواع الهموم لبتلي
الا ايها الليل الطويل الا انجل
بصبح وما الاصباح منك بامثل
تطاول حتى قلت ليس بمنقض
وليس الذي يرعى النجوم بآيل
فيا لك من ليل كأن نجومه
بكل مغار الفتل شدت بيذبل
كان في ذروة احساسه بالهموم والاحزان والاسى , وكأن الوقت عنده جبل ثقيل , دقائقه لا تمضي بسهولة , على العكس من الذي يمضي ساعات ليله بترف ورفاه وهو يعيش دقائق تركض مسرعة ليأسف هذا المرتاح السعيد على مضي الوقت وانتهاء الليل .
هل الزمن واحد بين الحالتين ؟
قد يقول علم النفس رأيا في ذلك , وقد يقول الشعر تصوّرا خاصا مدعوما بالخيال والصور الشعرية والطرافة احيانا , وقد يرى الدارسون الاكاديميون الامر مختلفا , اذ يتعلق ببيئة او نوع حياة او رؤية ما . وقد جاءت احدى رسائل الدكتوراه المهمة حول هذا الامر بعنوان ( الزمن في الشعر الجاهلي ) , ودراسة اخرى اخذت نفس المنحى ولكن باطار تطبيقي وقد حملت عنوان ( صورة الليل في شعر امريء القيس ) .
وهذه الدراسات وغيرها رصدت الجوانب الفنية في التعبير الشعري عن موضوعة الزمن وتغيراته حسب الوضع النفسي والشعوري – واحيانا اللاشعوري للفرد - , ونحن هنا لا نريد الحديث النقدي عن الزمن والشعر وعن تحولاته لدى الشعراء او الكتاب , بل نريد الاطلالة من احساس طريف بالزمن من قبل النقيضين الاساسيين في كل مجتمع وهما الغني والفقير , وهو تصوّر لا يختلف كثيرا بطبيعته عن الاحساس بالزمن لدى كل من يشعر بالراحة والترف – وهو الغني – والآخر الذي تتناهبه الهموم والاحزان وعدم الراحة اثر العوز والحرمان – وهو الفقير - .
لا فرق كبيرا عند الغني بين اليوم اويوم غد او بعد اسبوع او شهر , فالامر لا يختلف عنده , اما الفقير فان الساعة القادمة ترهبه برعب الحاجة والعوز وتهديد الجوع والحرمان لذلك يشعر بسكاكين الزمن اكثر من شعور الغني فيها وهي تمثل له نسائم باردة لا سكاكين , لذلك لا تظهر عليه كثيرا تعرجات الزمن وتجاعيده , اما الفقير فيصيبه الزمن بكل علاماته فيجعله اشارة واضحة لتأثيراته فيه .
لذلك حين يقول الغني للفقير : موعدنا غدا !!
فان الفقير يأخذ هذا الموعد رأس مال وينتظره ساعة ساعة , اما الغني فربما لسيولة الزمن ورشاقته فانه لا يشعر بمجيء اليوم التالي , ولذلك لا يعبأ بموعد , فينساه , ويؤجل الموعد ببرود وارتياح واسترخاء الى يوم غد ايضا , فيما ينتظر الفقير ولا خيار عنده غير ذلك !!.
انه زمن لعبة
هو سكاكين الفقير
ولذة الغني ومتعته