الموضوع الاول
حكم العمليات التجميليّة:
تقدّم أن العمليات التجميليّة منها عمليات لا بد من إجرائها ومنها عمليات اختياريّة فالعمليات التجميليّة التي لابد منها لتضمنها علاجًا لمرض ما، أو للحاجة إليها؛ فإنَّ الباحثين المعاصرين يجيزون إجراءها ومنهم من قيدها بشروط تشمل كل أنواع العمليات الجراحيّة.
ويستدل على جوازها بأنّها نوع من التداوي، فهي إما علاج لمرض أو إصلاح لعيب محسوس والتداوي مشروع، كما أن هذه العمليات لا يقصد بها التجميل قصدًا أوليًا بل جاء التجميل تابعًا لإزالة الضرر ومعلوم أن التابع لا يفرد بحكم . وأما العمليات العبثيّة المشوهة للإنسان فهي ليست تجميلاً بل عبث وتشويه وهو محرم لما فيه من المثلة وطلب الشهرة.
أمّا العمليات التجميليّة الاختيارية، والتي يطلق عليها: جراحة التجميل التحسينيّة فقد اختلف المعاصرون فيها على اتجاهين:
الاتجاه الأول: يرى المنع منها وتحريمها؛ لأنّ فيها تغييراً لخلق الله تعالى؛ ولأنه قد وردت نصوص تدل على منع الوشم والنمص والتفليج والوصل وذلك لما فيها من تغيير طلبًا للتحسين وهذا المعنى موجود في هذه العمليات، ولما فيها من غش وتدليس وأضرار ومضاعفات إلى غير ذلك من الأدلة .
الاتجاه الثاني: يرى أن تبحث كل عملية تجميليّة لوحدها، إذ من هذه العمليات ما دل الشرع على تحريمه والمنع منه، ومنه ما يمكن قياسه عليها، ومنها ما بحثه الفقهاء سابقًا أو يمكن تخريجه على أقوالهم فلا تجعل العمليات من هذا النوع كلها في مرتبة واحدة.
ولا شك أن التفصيل أسعد بالقبول وأرجح، وسبب ذلك أن الشرع مع نهيه عن الوشم والنمص والوصل جاء بالإذن بأنواع من الزينة والتحسين كصبغ الشعر مثلاً وهذا يدل على أن تعميم العلة بمنع التحسين غير مقبول، والعلّة متى فُقد اطرادها دَلّ على إبطال عليتّها.
والتعليل بقصد التحسين لا يصلح علةً للتحريم - أيضًا - لأنا نشهد من الشارع اعتبار قصد التحسين والتجميل لا المنع منه كما تقدَّم.
ثم إنّ أهل العلم اختلفوا في المعنى الممنوع في النمص والوصل ونحوها، فقيل: مُنع الوصل لأنّ فيه استعمالاً لجزء آدمي، وقيل لأجل ما فيه من تدليس وخداع.
وقيل في النمص المحرم أن المراد به هو التبرج والتزين للأجانب، أو ما كان بدون إذن الزوج، أو للتدليس، أو للتشبّه بالفاجرات.
ومادام أن أهل العلم قد اختلفوا في العلة التي من أجلها ورد النهي ،لم يَسُغ بعد ذلك توحيد علة المنع، مع ما تقدَّم من المراد بتغيير خلق الله تعالى.
وكذلك فإن الأضرار والمضاعفات والغش والتدليس التي من أجلها حرّم بعض المعاصرين العمليات التحسينيّة بإطلاق ليست قاعدة مطردة في كل العمليات التحسينيّة بل قد تقع في هذه العمليات أحيانًا وقد لا تقع، وهي مع ذلك أمور خارجة عن نفس العمليات فيكون التحريم لها لا لنفس الجراحة، إلا إذا رافقتها.
ومن جميع ما تقدَّم فإني أرى أنّ الاتجاه الثاني الذي يجعل لكل نوع من العمليات التحسينيّة حكمًا يناسبه حسبما تدل عليه الأدلّة ويبقى الباقي على أصل الإباحة، أولى من تعميم الأحكام على صور مختلفة.
ويشهد لهذه النتيجة ما ورد أنّ المقداد بن الأسود -رضي الله عنه- كان عظيم البطن وكان له غلام روميّ، فقال له: أشق بطنك فأخرج من شحمه حتى تلطف، فشقّ بطنه ثم خاطه، فمات المقداد وهرب الغلام.
وهذا نوع من العمليات التجميليّة التحسينيّة.والله أعلم.