.
.
قصة قديمة من اخطوطات الاديب الساخر سجين الأحزان
دجاجاتي العزيزات ...
سقط عليها نبأ وصول وباء افلونزا الطيور مثل الصاعقة
فدجاجاتها الاربع وديكها الجميل وقوت بناتها على كف عفريت
والحكومة تأمر باعدام كل الطيور المنزلية فورا وكل مخالف لهذا الأمر
يعد مخالفا للقانون وسيقدم الى المحاكمة ويسجن .
تخرج من صدرها آهة عميقة
تتأمل ديكها والدجاجات وعيونها تترقرق دمعا
وبين الآهة والعيون المليئة دمعا راحت تنثر الخبز الجاف
المطحون على كنزها وراس مالها وقوت البنات
وما لبثت ان راحت تخاطب الدجاجات بصوت حزين
دجاجاتي يا حبيباتي وقوت بناتي تريد الحكومة ان اقضي عليكن
تطلب ذلك وتريده أمرا سريع التنفيذ , دجاجاتي الحكومة تراه امراً سهلاً
ان اقضي عليكن و اخنقكن وأحفر لكن حفرة عميقة واردمكن الى الابد
لا تعرف هذه الحكومة ان بناتي يتقوتن ببيضكن
و لا تعرف هذه الحكومة التي حرمتنا من كل شيء
انكن كل ما أملك أنتن والديك الجميل ..
وتقطع عنها ابنتها الصغيرة حواراها مع الدجاجات
أمي إني جائعة ..
وتتبعها اختها
كم بيضة باضت الدجاجات ..؟
وترد الكبرى
لكل منكن بيضة ..
تغضب الصغرى غضب الأطفال وترد في حنق
واحدة لا تكفيني ولا تشبعني اريد بيضتين ..
لكل منكن ما تريد يا بناتي ..
فدجاجاتنا لا يخذلننا فالخير عميم , تقول الأم ذلك
وهي تداري دموع فلتت من مقلتيها
منذ سقط عليها نبأ وباء الطيور حرمت دجاجاتها وديكها الوحيد
من الخروج خارج الدار خشية وشاية الجيران بهم الى السلطات ..
القرية كلها اضحت حزينة .. كئيبة فلا دجاج يزين الساحات والحقول
ولا صياح الديوك ساعة الفجر يعلو مع صوت الأذان ..
كل البيوت خلت من اوزها وبطها وديوكها الرومية والحبشية
حتى طيور الزينة التي كانت في الاقفاص تغرد تغريدها الجميل
دفنت حية وبعضها احرق .. ربيع هذا العام جاء باهتا
بلا ذوق ولا طعم ... فلا طيور في البيوت ولا البساتين ولا الحقول
والطيور المهاجرة التي سممت كلها حتى ماتت ..
والتي كانت تزين هذا الفصل .. حزينة هي القرية مثل الخريف
كل الطيور الجميلة اضحت ماضي يتذكره الناس بحزن
الاشياء الجميلة اضحت مجرد ذكرى مضت ورحلت في انتظار
ان يمضي هذا الوباء او يفنى لتعود الحياة
وتمتلئ الدنيا بالتغاريد وصياح الديوك .
آذان الفجر يأتي حزينا دون رفقة ذلك الصياح الجميل لديوك القرية
التي كانت تجعل الشيوخ والشباب ينهضون بقوة مهرولين نحو المسجد
لاداء صلاة الفجر , كان ذلك الصياح الجميل آذان آخر للصلاة ..
ذات فجر استيقض أهل القرية على صياح ديك المرأة
الذي فر من همه ولم يصبر على الصمت ولا على الاسر ففضل
ان يغامر ويصيح صيحته ولو كانت الاخيرة ’ صياحه المبارك
مع آذان الفجر جعل الناس كلهم يطبقون صمتاً
ينصتون في خشوع الى هذا الصوت الذي اعتقدوا انه انتهى ..
كان الامر بالنسبة لهم بمثابة المفاجئة اما البعض الآخر
فرحل بهم الحنين الى حقول الدجاج وصياح الديوك الى ايامهم
الجميلة قبل ان يهجم عليهم هذا الوباء ويسلب منهم جمال الحياة
وصوت الطيور وراس مالهم ..
حتى قطعان الغنم والابقار صارت لا تثير الإهتام كأنها هي أيضا اصابها الحزن
فلا شيء أعاد للقرية تلك الايام الجميلة .
كان ديك المراة يصيح باعلى صوته نافخا صدره يتحدى الوباء
والسلطة التي ارادت مصادرة حريته في الصياح بل حقه في الوجود ..
كان يتحدى الجميع
فهو ديك وليس دجاجة
كان على سقف البيت يصيح مزهوا ناظراً الى الافق في تحد غريب .
لم يدم الامر طويلا لتهجم قوات من الشرطة بمعية أعيان القرية
والمصالح البيطرية على بيت المرأة مطالبة براس الديك ..
وما تخفيه في بيتها من دجاج .. فلا بد للديك من دجاج ..
يُطرق بابها بعنف ..
كاد القرع القوي ان تتهاوى من أثره جدران البيت العتيق المتهالك .
تختلس السمع من خلف الباب .. وتتعلق بناتها بأطراف ثوبها ..
يتردد صوتها مثل الهمس وهي تسال عن الطارق ..
فياتيها صوت رئيس الدورية من خلف الباب عنيفا مزمجرا شاتما ..
افتحي يا أمراة نريد الديك ..
ديكي يا سيدي لم يفعل لكم شيء ..
افتحي يا امراة انه مصاب وسيقضي عليكن ..
تتشجع وترد عليه متهكمة
ومتى فكرت الحكومة في موتنا او حياتنا
أين كانت هذه الحكومة يوم كان الغرباء يسلبون حقنا في الحياة
في وضح النهار
أين كانت قوات أمنكم يوم أقتيد زوجي الى اسفل الوادي
لتخترق الرصاصة راسه من مجهول دون ذنب اقترفه
ويتفرق دمه بين السراب والضباب ويفتح له محضر ويغلق في حينه
وتعلق الجريمة ضد مجهول .. ؟ واليوم تأتون بكامل قواتكم وعتادكم
من اجل القبض على ديك .. ما اشجعكم من فرسان وما أحكم هذا النظام .
إفتحي يا امرأة الامر خطير , وعظيم
انتِ تعرضين القرية إلى الهلاك بصنيعك هذا تخالفين القانون
وتعرضين نفسك للمتابعة القضائية .
ترد ابنتها الكبرى
لمَ لا ينظر هذا القانون الى جوع البطون وينصفها .. ؟
لمَ لا يحس ولا يحمي إماء الله في بلادهن
قانونكم يحمي الخونة واللصوص ويبسط اذنيه ذليلا أمام الاسياد
والذين عاثوا في الارض فساد
واليوم ياتي شاهرا سيفه يريد ان يطبق العدالة العرجاء
على ديك واربع دجاجات .
وياتي صوت الضابط من خلف الباب عنيفا قويا مليء بالغضب ..
سنستعمل القوة ان لم تفتحي يا امرأة وهذا آخر انذار .
وترد المراة بحزم حاسمة الامر بلا تردد
حياتي من حياة ديكي ودجاجاتي .
وبضربة واحدة يتهاوى الباب
ويتسرب منه جند مدججون بالسلاح وبياطرة
والكل ملفوف في لبس أبيض مثل الاشباح
مقنعين بقارورات التنفس وقفازات طبية كأنها حرب نووية
تحاول منع الرجال من ملاحقة دجاجتها وديكها فتردها الايدي بالقوة
بناتها من خلفها يبكين خوفا وفزعا
وراحت تصرخ وتولول
انهن دجاجاتي ..
انهن عزيزاتي ..
انهن قوت بناتي ..
لكن صوتها يضيع في السراب
يضع الرجال الدجاجات والديك في أكياس سوداء
وتقتاد الأم الى المحكمة بتهمة التستر على ديك واربع دجاجات
تحاكم المرأة بسرعة وتسجن تسعة اشهر
وبعد انقضاء المدة تعود الى قريتها
تطرق بابها ببطء وقلبها يرتجف و ينفتح الباب من تلقاء نفسه
تلج بهو الدار .... تنادي في البنات
فيعود صوتها صدى يصفعها .. تسأل أهل القرية
فيأتيها النبأ مثل الزلزال
فالصغيرة قضت
والكبرى أخذها عمها
والوسطى عند خالها ..
انهارت مثل بنيان عتيق وهي تتلقى الخبر
وصرخت مولولة يا مهجتي ’’ يا نور عيني يا صغيرتي
قتلك افلونزا الطيور
فجاءها صوت الجيران ..... لم يقتلها الوباء
. . . بل قتلها الجوع . . .
__________________
معقوله ..!!
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||| 88%
يقول لابرويير : بعضنا ينجح بذكائه، وبعضنا ينجح بغباء الاخرين
يقول شكسبير : الصديق الحقيقي هو الذي يخبرك باسم امه 